أحمد بن محمد المقري التلمساني
419
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الملاحدة ، أكفرا أيضا كفرا ، غفرا اللهم غفرا ، أعد نظرا يا عبد قيس ، فليس الأمر على ما خيل لك ليس ، وهل زدنا على أن طلبنا حقنا ، ممن رام محقه ومحقنا ، فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين ، فانفتق علينا فتق ، لم يمكنا له رتق وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ [ يوسف : 81 ] ، وبعد فاسأل أهل الحل والعقد ، والتمييز والنقد ، فعند جهينتهم تلقى الخبر يقينا « 1 » ، وقد رضينا بحكمهم يؤثمنا فيوبقنا أو يبرئنا فيقينا « 2 » ، إيه يا من اشرأبّ إلى ملامنا ، وقدح حتى في إسلامنا ، رويدا رويدا ، فقد وجدت قوة وأيدا « 3 » ، ويحك إنما طال لسانك علينا ، وامتد بالسوء إلينا ، لأن الزمان لنا مصغر ولك مكبر ، والأمر عليك مقبل وعنا مدبر ، كما قال كاتب الحجاج الموبر ، وعلى الجملة فهبنا صرنا إلى تسليم مقالك جدلا ، وذهبنا فأقررنا بالخطإ في كل ورد وصدر ، فللّه در القائل « 4 » : [ الرجز ] إن كنت أخطأت فما أخطا القدر وكأنا بمعتسف إذا وصل إلى هنا ، وعدم إنصافه يعلمه إلهنا ، قد ازورّ متجانفا ، ثم افتر متهانفا ، وجعل يتمثل بقولهم : إذا عيروا قالوا مقادير قدرت ، وبقولهم : المرء يعجزه المحال ، فيعارض الحق بالباطل ، والحالي بالعاطل ، ومنزع بقول القائل : رب مسمع هائل ، وليس تحته من طائل ، وقد فرغنا أول أمس من جوابه ، وتركنا الضغن يلصق حرارة الجوي به وسنلم الآن بما يوسعه تسكيتا ، ويقطعه تبكيتا ، فنقول له : ناشدناك اللّه تعالى ، هل اتفق لك قط وعرض ، خروج أمر ما عن القصد منك فيه والغرض ؟ مع اجتهادك أثناءه في إصدارك وإيرادك ، في وقوعه على وفق اقتراحك ومرادك ، أو جميع ما تزاوله بإدارتك ، لا يقع إلا مطابقا لإرادتك ، أو كل ما تقصده وتنويه ، تحرزه كما تشاء وتحويه ؟ فلا بد أن يقر اضطرارا ، بأن مطلوبه يشذّ عنه مرارا ، بل كثيرا ما يفلت صيده من أشراكه ، ويطلبه فيعجز عن إدراكه ، فنقول : ومسألتنا من هذا القبيل ، أيها النبيه النبيل ، ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ماشينا « 5 » ، مما يسايرنا في غرضنا منه ويماشينا ، كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم « كل شيء بقضاء وقدر ، حتى العجز والكيس » « لو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن ينفعوك بشيء لم يقضه اللّه لك لم يقدروا عليه ، ولو
--> ( 1 ) هذا الكلام معنى المثل القائل « وعند جهينة الخبر اليقين » . ( 2 ) يوبقنا : يهلكنا ، ويقينا : يحفظنا . ( 3 ) الأيد : القوة . ( 4 ) هو أبو العتاهية . انظر ديوانه ص 449 . ( 5 ) شينا : أصله : شئنا ، مسهل الهمزة بقلبها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها .